مقالات

فصل من كتاب النيل

بين عامي 1927 و1928 كان موضوع تعلية وتوسيع خزان سد سنار الذي يروي أرض الجزيرة في السودان سببا في نزاع حاد بين مصر وبريطانيا، وكما نعلم كان الجيش البريطاني يحتل مصر، و كانت بريطانيا شريكة في حكم السودان مع مصر بموجب اتفاقية الحكم الثنائي، و رغم أن النزاع كان من الناحية الشكلية يدور بين القاهرة وبين حكومة السودان التابعة لكل من مصر وبريطانيا فإنه في الحقيقه كان يدور بين القاهرة ولندن التي كانت مهتمة بالتوسع في زراعة القطن في الجزيرة السودانية وكان ذلك يأتي دائما على حساب حصة مصر من المياه اللازمة لري محاصيل الصيف المصرية .
كانت الحكومة المصرية في تلك الفترة هي حكومة الائتلاف الكبير بين الوفد والأحرار الدستوريين، وكان يرأسها مصطفى النحاس باشا بعد استقالة عبد الخالق ثروت باشا ، الذي وجد غضاضة بعد وفاة سعد زغلول أن يلتزم باتفاق انشاء الائتلاف الذي يقضي بالتنسيق مع زعيم الوفد (وهذه قصة أخرى).
كان وزير الأشغال العمومية (الري ) في تلك الحكومة من الأحرار الدستوريين ، وهو ابراهيم فهمي كريم باشا الذي كان مثل كل زملائه الحزبيين في الوزارة متحسسا من رئاسة النحاس له،اعتقادا منهم بأنه أقل مكانة من سعد زغلول الذي رعى الائتلاف وأوكل رئاسة الحكومة لثروت بسبب الفيتو البريطاني وفيتو القصر الملكي على رئاسة سعد شخصيا للحكومة، رغم حيازة الوفد للأغلبية الساحقة.
مايتعلق بموضوعنا هو أن ابراهيم فهمي كريم، بسبب تحسسه من رئاسة النحاس أو رغبة منه ومن زعيمه الجديد بعد اعتزال ثروت (محمد محمود باشا ) في هز مكانة النحاس وتقويض الائتلاف انتهز فرصة وجوده في لندن في زيارة خاصة وتوصل الى اتفاق مع بريطانيا وممثل حكومة السودان لتسوية ذلك النزاع وكانت التسوية مجحفة بحقوق مصر، فماكان من النحاس إلا أن أقاله فورا “لأنه تفاوض ووقع اتفاقا سياسيا وليس فنيا من وراء ظهر رئيس الوزراء و الحكومة كلها، وهو مالا يدخل في سلطته وإنما كل ما يتعلق بالنيل خارج حدود مصر هو اختصاص أصيل لرئيس الحكومة والبرلمان “.
ليس مهما أن بقية الوزراء الدستوريين انسحبوا تضامنا مع زميلهم ، وليتيحوا للملك ذريعة إقالة النحاس وإسناد رئاسة الوزارة لمحمد محمود ، تلك الوزارة التي سماها أنصارها "حكومة اليد الحديدية"، آملين أن تعصف بالوفد ، في حين سماها الوفديون والشعب "حكومة البرك والمستنقعات "، لأنها أعلنت انها ستنشغل بالإصلاح الداخلي كردم البرك والمستنقعات التي تسبب الأمراض ، وغير ذلك من الإصلاحات مقابل تعطيل الدستور والبرلمان.
لكن المهم أنه لا محمد محمود ولاغيره جرؤ علي التفريط في النيل والأهم هو تكييف النحاس باشا مبكرا جدا لقضية النيل في السياسة المصرية بوصفها من أخطر ركائز الأمن القومي التي يجب عدم التساهل فيها حتي وإن كان الطرف الآخر هو الامبراطورية البريطانية التي تحتل مصر والسودان عسكريا .

عبد العظيم حماد
رئيس التحرير الأسبق لصحيفة الأهرام
وعضو الهيئة العليا والمكتب السياسي للحزب

اقرا ايضا