مقالات

محمد سالم يكتب: "بين "الإدارة" و "السياسة

كان المبرر الرئيسي، والدعاية الأهم والأبرز في لحظة تعيين الفريق كامل الوزير أنه رجل "عسكري"، وكأي عسكري هو يجيد الضبط والربط وعودة الانضباط والسيطرة على مرفق "السكة الحديد" والقدرة على الإنجاز في وقت قياسي، استناداً لما أداه داخل الجيش.
ليس بالضرورة أن ترتبط الإدارة والقيادة السياسية الناجحة بالخلفية المدنية أو العسكرية على وجه التحديد، فالنماذج عديدة على عسكريين نجحوا في إدارة مؤسسات وقيادة دول وأحزاب، والنماذج كثيرة أيضاً على الفشل في إدارة المؤسسات والدول، وهو ما ينطبق ذاته على المدنيين، هناك من ينجح وهناك من يفشل، ليس هناك قاعدة محددة تحتم النجاح أو الفشل للعسكري أو المدني، عكس ما استطاعت الدعاية على مدار سنوات طويلة ربط سياق وظيفي محدد للنجاح أو الفشل في أذهان المصريين.
ليس من المنطق في شيء التصور بأن أزمة السكة الحديد في مصر ستنتهي بإقالة الفريق كامل الوزير، وتعيين وزير جديد، أو حتى الاستعانة بوزير سابق، أو مجرد إيجاد مسؤولين عسكريين أو استقدام أساتذة جامعة لم يخوضوا تجربة إدارية واحدة في حياتهم، فالجميع سيأتي ويرحل في إطار نفس الفكرة، أن المطلوب هو زيادة الأسعار لتقليل الخسائر المالية وعدم وجود حوادث كبيرة، وضبط العاملين بالسكة الحديد وعمل تحليل مخدرات دوري لهم، ومنع التسرب من التذاكر، وغيرها من الإجراءات الإدارية، التي تصل بنا في النهاية لمشهد كمسري يهين "مجند" من أجل ثمن التذكرة، وتكريم "كمسري" آخر استطاع تحصيل تذكرة كاملة من طفل عمره 9 سنوات.
الأزمة الحقيقية هي بين "علم الإدارة" و"علم السياسة".
في علم الإدارة يجب أن يتولى القيادة شخص مدرب على إدارة الأزمات، وتقليل المخاطر، وعدم المغامرة بالأرواح، والمحاولة الدائمة لتحديث الإمكانيات بأجهزة الإنذار ومعدلات الأمان العالية، والاستعانة بالتكنولوجيا المتطورة في إدارة مرفق هام يخدم ملايين المصريين، ويضع خططا عاجلة ومتوسطة وطويلة المدى من أجل الإحلال والتبديل في أصول وآليات المؤسسة بتكنولوجيا جديدة، وخبرات دولية متوفرة بالفعل في كثير من دول العالم، تستطيع أن تجعل رحلات السفر بالقطار لرحلات "آمنة" و"آدمية" و"نظيفة".
في علم الإدارة أيضاً، لايمكن للمدير الناجح والكفؤ، معاقبة وتخويف مرؤوسيه من المطالبة بتطبيق قواعد الأمان، بل يضعها أولوية، المدير الناجح الذي يعلم بوجود أجهزة GPS، تم تركيبها في عام 2006 داخل القطارات، وتبلغ تكلفتها في القطار الواحد "ربع مليون جنيه"، خصيصاً من أجل إبلاغ القطارات ومحطات القطارات بوجود عطل ما، لأخذ الحذر والانتباه ومنع التصادم، المدير الناجح يجب أن يحرص على تفعيل هذه المنظومة، ومحاسبة من يتجاهل تطبيقها، مهما كانت تكاليف تشغيلها، فهي بالتأكيد أقل من أرواح المواطنين !
في علم الإدارة، لايمكن أن يكون كل قطار مزود بأجهزة ACT تمكن من التواصل المباشر بين المحطات وقائد القطار، ويتيح تنبيه قائد القطار في حال وجود خطر أو زيادة السرعة المقررة، والتحكم الآلي في القطارات، ولا يقوم المدير الناجح والكفؤ بمراجعة التشغيل والاعتماد على هذه الأجهزة كضمان لحسن سير العمل وتقليل المخاطر !
وفي علم الإدارة، تحرص الإدارة الناجحة للمؤسسات على الارتقاء بالمستوى المهني والمالي والتعليمي للموظفين، ويتم توفير كافة السبل لتحسين أدائهم وكفائتهم وزيادة إخلاصهم للعمل داخل المؤسسة، بحوافز مالية جيدة، واحترام قوانين وساعات العمل، وتطوير علاقتهم بالتكنولوجيا والتطبيقات الحديثة، والتفاعل الإيجابي مع شكاواهم، كطريق وحيد لتطوير العاملين بالمؤسسة، ليس فقط التهديد والوعيد بالجزاءات والخصم والفصل والإحالة للمحاكم والنيابات !
في علم الإدارة أيضاً تسعى المؤسسات الكبرى لرقمنة خدماتها، وتحديث اتصالاتها بالجمهور، عن طريق "تطبيقات" للهواتف الذكية، ومواقع تتميز بالسهولة واليسر، وخدمة عملاء متوفرة ومدربة بشكل جيد لإرضاء العملاء والمواطنين، والاستماع لشكاواهم والتفاعل الإيجابي والسريع معهم.
في علم الإدارة، تكون مواقع استضافة الجمهور تتميز بالآدمية وتوفير وسائل الراحة المناسبة من دورات مياه ومطاعم ذات خدمة جيدة، وجزء من نجاح أي مؤسسة هو الرقابة الدورية وصيانة كافة الآلات والأقسام والخدمات التي تقدمها.
وفي علم السياسة، لا يمكن حتى مع وجود شخص كفؤ إدارياً أن يحرز تقدما ونجاحا في إدارة مرفق النقل، بدون ضبط الأولويات نحو التخلص من الآلات المتهالكة والتكنولوجيا القديمة ذات المخاطر العالية، وتقليل حجم الخسائر في الأرواح، كأولوية عن مشاريع حديثة وبديلة بمئات المليارات ستعمل خلال سنوات !
والسياسي الناجح لايمنع الصحافة من تغطية أخطاء مؤسسته أو بعض العاملين بها ويرهبهم، أو يطلب إلقاء القبض على صاحب صفحة فيسبوك تنشر بيانات ومعلومات مختلفة، بل ييسر لهم عملهم ويطالبهم بكشف أي وجه للقصور أو الخلل لإمكانية تدارك الكوارث واللحاق بها قبل وقوعها، ويوفر رد علمي وموضوعي على أي انتقادات ليس لها محل من الصحة أو الدقة.
والسياسي المتمكن، يفتح الباب دوماً أمام مشاركة أصحاب الخبرات الفنية والعلمية في مجال إدارته ومسؤوليته، ويسعى بشكل دائم لمناقشتهم وبحث أفكارهم وخططهم، ومراجعة خططه وخطط إدارته وفريقه بناء على هذه النقاشات، لا أن يعتبرها مجرد "كلام فارغ" و"تضييع وقت".
والسياسي الذكي حين يتولى موقع في السلطة التنفيذية، فإنه يحرص كل الحرص على توفير كافة الاعتمادات المالية المناسبة له لتنفيذ خطط تطوير ومشاريع جديدة وميزانية تمكنه من النجاح، ويسعى في هذا الإطار لتسويق مشاريعه لقيادته التنفيذية وللنواب وللإعلام وإعلان هذه الخطط وضرورة توفير الميزانية المناسبة له، كضمان لنجاح الخطط والمشاريع المعلنة.
وفي علم السياسة كذلك، حين يضطر المسؤول لإزالة منازل من أجل مشاريع جديدة، فعليه أن يسعى لرضا المواطنين عن هذا القرار، وبحث التعويضات المناسبة لهم، ووضع فترة انتقالية للإحلال والتبديل وتوفيق الأوضاع، كضمانة للتفاعل الإيجابي من المواطنين مع المشاريع الكبرى، ويبدي أسفه للمواطنين على مثل هذه الإجراءات التي تعكر من صفو حياتهم واستقرارها، لكن لم يكن لديه خيارات أخرى، ليس من السياسة في شيء أن يتفاخر المسؤول بأنه سيزيل مئات العقارات بين ليلة وضحاها من أجل مشروع جديد، وبتعويضات "بخس" للمواطنين، ستسبب حتماً أزمات ومظاهرات واحتقان، وتشريد لأسر، دون أدنى حساب سياسي لفداحة هذه الخطوة وخطورتها على علاقة حكومته بالمواطنين !
فالسياسي جزء من مهاراته الأساسية حسن التفاوض وإدارة العلاقة مع المواطنين والجمهور، وليس تنفيرهم وإغضابهم.
في علم السياسة كذلك، حينما يتحاور المسؤول أو الوزير مع نواب البرلمان أو الإعلاميين، لايهددهم أو يخوفهم بصوته "الغليظ" أو يعتمد سياسة الطرق العنيف على الطاولة لفرض وجهة نظره وقراره، بل يعتمد على الحوار وتفنيد أسباب قراره المنطقية ويطالب من لديه بدائل بتقديمها ونقاشها بشكل علمي، دون استعراض أو شعبوية.
الأزمات في مصر لن تنتهي برحيل فلان أو قدوم علان، هذا جزء بسيط من الموضوع، الأزمة هي في الاعتماد على "العلم" والكفاءة وحسن الإدارة والإدارة بفن السياسة، وفي توفير الموارد وضبط الأولويات، وفي مشاركة المواطنين وليس تنفيرهم وتخويفهم، في قياس النجاح بحسن الإدارة وبشفافية المعلومات وبتطبيق قياسات النجاح عبر مؤشرات واضحة، وليست بالتقاط الصور أو التخويف والتفاخر بالردع والحزم والعقاب واستعراض القوة.

اقرا ايضا