مقالات

حقوق الانسان كمبدأ وأداة في السياسة الخارجية

بعد أن كانت إدارة نيكسون /كيسينجر قد نجحت في ترتيبات الوفاق والحد من التسلح الاستراتيجي والأمن والتعاون الأوروبيين مع الاتحاد السوفيتي ، ومنحت السوفييت وضع الدولة الأولى بالرعاية تجاريا ، وأنهت حرب فيتنام ، جاءت إدارة كارتر /بيريزنيسكي عام 1976 لتدفع قضية حقوق الانسان إلى مقدمة أولويات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية كمبدأ وهدف وكأداة (انتقائية أو انتهازية أحيانا ) للضغط على المنافس الشيوعي بالدرجة الأولى ثم أطراف أخرى من وقت لآخر
كان مفهوما وقتها ان ذلك هو مذهب زبيجنيو بيرنيسكي مستشار الادارة الجديدة للأمن القومي (البولندي الأصل )وأشد السياسيين الأمريكيين كراهية للشيوعية والسوفييت بعد وربما أكثر من جون فوستر دالاس والسناتور ماكارثي لكونه بولنديا بالذات
في تلك الحقبة كانت قد تبلورت ظاهرة انشقاق مثقفين سوفييت كبار علي النظام الشيوعي وكانت هذه أول أكبر خلخلة في النظام هناك بعد انقلاب خروتشوف علي تراث ستالين وطبعا لم تقصر السلطات في اضطهادهم بالنفي والتشريد والسجن والتشويه ، وارتبطت بتلك الظاهرة أيضا قضية إطلاق حرية اليهود السوفييت في الهجرة سواء إلى اسرائيل أو إلى أمريكا وأوروبا الغربية ، وكانت هاتان القضيتان معا أهم قضايا العلاقات والمفاوضات بين واشنطن وموسكو ، وربط الكونجرس بين التنازلات السوفيتية فيهما وبين منح الاتحاد السوفيتي وضع الدولة الأولى بالرعاية خصوصا في اسعار و تسهيلات السداد لواردات السوفييت من القمح الأمريكي
أمام شبح المجاعات أخذت التنازلات تترى، وعندما احتل السوفييت أفغانستان شكل بريزنيسكي تحالف الجهاد ضدهم ليكون الضغط على الخصم الشيوعي متعدد الجبهات: استنزاف عسكري و عقوبات تجارية وانشقاق داخلي وحرب نفسية.
وقبل ان تأتي إدارة ريجان كان المنشقون قد أصبحوا قوة مؤثرة ، ثم جاءت إدارة ريجان ببرنامج حرب النجوم لتستنزف آخر أنفاس العافية في الاقتصاد السوفيتي ويموت بريجنيف آخر مخلفات الفكر الستاليني ثم الزعيمين اللذين خلفاه في فترة وجيزة ، ومجيء جورباتشوف كمحاولة أخيرة للإنقاذ ولكن الوقت كان قد فات والفرصة قد ضاعت فماهي إلا جولة أخرى من الضغوط والانشقاق قادها هذه المرة بوريس يلتسين من داخل الحزب والنظام حتى انهارت الكتلة الشرقية والاتحاد السوفيتي نفسه
هذه الخلفية ضرورية لفهم عودة إدارة بايدن الديمقراطية الجديدة في واشنطن للتركيز على قضية حقوق الانسان كمبدأ وكأداة في سياستها الخارجية في مواجهة روسيا بوتين أولا و ثانيا و ثالثا ، ثم الصين ، ثم أصدقاء أمريكا في الشرق الأوسط من باب الاتساق أولا واستجابة لضغوط داخلية متعددة المصادر في واشنطن ذاتها ثانيا
نعلم أن مصر والسعودية لديهما أدوات لمواجهة أو احتواء بعض الضغوط الامريكية (وليس كل الضغوط ) منها العلاقات مع اسرائيل والتعاون في مكافحة الاٍرهاب والخبرة الطويلة في الالتفاف والاستجابات الجزئية والشكلية ولكن ليس في كل مرة تسلم الجرة ولماذا لايكون بيدنا لا بيد بايدن وبلينكن وسوليفان تلاميذ بريزنيسكي ؟
أما تركيا وإيران فلكل منهما سياق مختلف

عبد العظيم حماد
رئيس التحرير الأسبق لصحيفة الأهرام
وعضو الهيئة العليا والمكتب السياسي للحزب

اقرا ايضا