مقالات

القصص لا تقرأ من منتصفها : عن ماكرون والمسلمين والعالم

لا ينكر إلا مكابر أو جاهل أن الاسلام والمسلمين في أزمة مع العالم ومع أنفسهم بغض النظر عن القول الصحيح نظريا وغير المجد عمليا بضرورة الفصل منهجيا بين الاسلام والمسلمين

إذا لماذا أثار حديث الرئيس الفرنسي ماكرون عن أزمة الاسلام كل تلك الزوابع ؟

الإجابة هي أنه بدأ قراءة القصة علينا من منتصفها أو في فصولها الأخيرة ولم يبدأ من الفصل الأول وكذلك يفعل الكثيرون ومنهم الرئيس الامريكي ترامب ومؤيدوه في معظم كلامهم عن الأقليات والهجرة والجريمة والقانون والنظام وهو ما يفعله اليمين العنصري في كل الدنيا وهو أيضا ما يفعله الحكام المستبدون عندما يبررون استبدادهم ومظالمهم وفشلهم بلوم شعوبهم واتهامها بالتخلف وبانعدام الأهلية للديمقراطية … مع انهم لم يحاولوا قط إقامة الحكم الرشيد الذي يرتقي بوعي شعوبهم .

في حالة ماكرون والإسلام : يجب أن نفهم أولا أن دول ومجتمعات الغرب الصناعية رفضت وأدانت وحاربت العنف اليساري من مواطنيها الأصليين فكيف يتصور عاقل ألا تواجه بكل حسم عنف متطرفين مسلمين مهاجرين حديثا اليها ؟ وكيف لا تسعي لمواجهة حواضن ذلك العنف ممثلة في جماعات أو اتجاهات أوثقافات أومؤسسات تنعزل عن المجتمع وتناهضه ؟ 

لكن ذلك لا يعني قط تجاهل الأسباب العميقة والبعيدة أو الفصل الأول في القصة وهو أن جميع الدول الصناعية التي استقبلت مهاجرين مسلمين وملونين بكثافة وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية توهمت أن وجودهم مؤقت وأنهم سيعودون من حيث أتوا بعد اعادة بناء ما خربته الحرب وهو مالم يحدث لأسباب عديدة لا داعي للتطرق اليها هنا، ومن ثم لم تضع الحكومات مبكرا سياسات وبرامج للإدماج ومنع التهميش ومكافحة التحيز السياسي والثقافي والبيروقراطي والبوليسي ضد المهاجرين وعندما أفاقت تلك الحكومات كانت القضية قد تعقدت بالنسبة للمسلمين خاصة بسبب المشكلات و المظالم الآتية من الدول والمجتمعات الإسلامية ذاتها وهي أكثر من أن تحصي بدءاً من الذكريات المريرة للحقبة الاستعمارية والمساندة الغربية غير المشروطة لإسرائيل و الصهيونية والتخلف والقمع والحرمان الاقتصادي، ومساندة الغرب لنظم الحكم المحلية المرتكبة لكل تلك الموبقات ويغنينا عن الشرح والبرهنة هنا تذكر مجريات ومآلات الثورة (الاسلامية) في إيران ضد الشاه.

في تلك الحقبة نفسها كان (الجهاديون المسلمون) الذين تحالف معهم الغرب بقيادة أمريكية في أفغانستان ضد الاحتلال السوفيتي يتعرضون لمخطط غدر أمريكي شديد القسوة بعد خروج السوفييت ، فتركوا بلا خطة إعادة تأهيل أو إعادة دمج في مجتمعاتهم الأصلية أو في مجتمعات جديدة كما تركت أفغانستان نفسها بلا أي مساندة لإعادة بناء الدولة وتشغيل الاقتصاد بغرض أن يصفي الجهاديون أنفسهم بأنفسهم ليريحوا العالم من عبئهم، فيما توجه الرئيس الأمريكي بوش الأب لغزو الصومال المسلمة فكانت تلك هي لحظة تمكن طالبان وظهور قاعدة بن لادن وصولا إلي 11سبتمبر فالغزو الامريكي الأطلنطي لأفغانستان ثم الغزو الأمريكي للعراق الذي سلم البلد للشيعة وإيران مما أدى لظهور داعش (السُنية) بتحالف بقايا جيش صدام وروافد قاعدة بن لادن. ولأنها كانت الأكثر توحشا وبربرية فقد ألهمت شياطين التطرف والجهل في أماكن كثيرة منها سيناء ومالي ونيجيريا، كما استدعت ردود فعل غبية من اليمين الأوروبي رأيناها في الكلمات والصور والرسوم ليقابلها المتطرفون المسلمون هناك بردود أكثر غباء وأكثر إسهاما في تعقيد الصراع بما أنها عنف وقتل بل وذبح علي طريقة داعش

هذه هي القصة كاملة إذا حتي الساعة ولكن ماذا بعد ؟
المعالجات الوطنية في داخل كل دولة على حده علي طريقة ماكرون في فرنسا قد تسكن الألم مؤقتا، لكن العلاج الشامل يحتاج تغييرات عميقه في سياسات أمريكا واوروبا واسرائيل وتغييرات أعمق في سياسات ونظم الحكم في بلاد المسلمين.

أعلم ان ذلك يبدو مستحيلا الآن وغدا لكننا نتفق أن الخيوط المتشابكة يمكن فك تشابكها بفك أول أو أكبر العقد ولتكن مثلا فلسطين أو الصراع الخليجي الإيراني ، وربما -أكرر ربما- تكون انتخابات الرئاسة الأمريكية بعد أسبوعين هي الخطوة الأولى.

أ.عبد العظيم حماد
عضو مجلس الأمناء بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي

اقرا ايضا