مقالات

ردا على مقال:الحق في المشاركة دون انحراف عن الطريق


صديقي العزيز لا أدري لماذا ذكرتني لغة "هل يجوز " بالمرجعيات الفقهية ! وأسأل بدوري : هل يجوز لمن يريد تغيير الوضع المتردي في بلاده أن يتعالى على واقعه ، ويشترط ( وهو فاقد لكل قدرة ) صياغة ساحة المباراة السياسية بشروطه وإلا لن ينزلها؟ هل يجوز لمن يريد أن يحدث تغييرا في بلاده أن يتعامي عن واقعها السياسي المتدني ويعزف عن طرق كل باب من أجل إحياء السياسة ؟ وهل في رصد ذلك الواقع المرير لوم للجماهير؟ وهل تحول إدانة المتسبب دون رؤية الواقع كما هو ؟ وهل يمكن بناء حركة ديمقراطية سليمة على الفيس بوك أو في مقرات ضئيلة محاصرة وبإضاعة فرصة اللقاء الواسع المباشر بالجماهير في الدعاية الانتخابية ثم مخاطبتها من على منبر مسموع ومرئي بعد الانتخابات وطرح برنامجك وأفكارك دون قيود ؟ أنا أخاطب الجمهور كل يوم وأوزع برنامج حزبي في جولات الشوارع والمؤتمرات التي ينظمها حزب مستقبل وطن ويدعوني إليها كمتحدث رئيسي، أخاطب الحضور بما أريد لا بما يريد غيري . وهل اندثار الأحزاب التي أُودع مناضلوها السجون دفاعا عن برامجها ومواقفها يخدم القضية التي يضحي هؤلاء المناضلون من أجلها ؟ أو يخدم قضية تحريرهم؟ وهل تحويل أفكار اليسار وانحيازاته إلى نوع من الفيتيشية القوموية والطهرانية السياسية طريق إلى المستقبل أم طريق إلى الانعزال والاندثار ؟ وهل اشتراط ساحة سياسية خالية من المعايب والدنس لكي نمارس السياسة فيها هو عمل سياسي حقيقي أم تخلٍ عن الجماهير وإعراض عن العمل السياسي بالشارع يتستر بالنقاء والطهرانية وارضاء الذات الثورية ؟ انزلوا إلى الواقع.. تعالوا معي إلى سنهور لتناضلوا لمدة خمسة أيام من أجل عودة مياه الشرب إلى قرية تعدادها 200 ألف نسمة أو لتشاهدوا الترعة التي تلقي فيها محطة الصرف الصحي نواتجها غير المعالجة والتي تحولت القمامة فوقها إلى جسر يعبر فوقه الأطفال والكلاب والقطط .. تعالوا لتروا الشوارع وقد تحولت إلى أزقة ضيقة نتيجة التعدي الجماعي المتصل عليها.. تعالوا لتروا البؤس في أبشع صوره في مدن وقري تدهور حالها إلى درجة تفوق الخيال قبل أن نتحدث في القضايا الكبري . وهل الاكتفاء بحلقات المثقفين المحترمين في العاصمة يصلح طريقا إلى تطوير الحياة و السياسة في مصر أم يؤدي إلى الانعزالية ونوع من "التكفير والهجرة " اليساريين؟ لست أدري لماذا أحسست يا صديقي العزيز في بيانك بظل من نظرية الفسطاطين الشهيرة!! ألم يحن الوقت لنتخلى عن داء التخوين والتكفير الذي أصاب السياسة المصرية منذ نحو 100 عام ، ويدعم بعضنا بعضاً فيما نتفق فيه ويعذر بعضنا بعضا فيما نختلف فيه ؟ هل مكتوب علينا أن نصفي بعضنا بعضاً في غرف مقارنا الضيقة أو علي الفيس بوك وصولا إلي جوهرة النقاء السياسي التي تعلو علي الزمان والمكان حتي نندثر مخلصين لعقائدنا التوارتية، ام علينا أن ندخل من الباب الضيق الذي يوصلنا الي إحياء السياسة ؟ ان معارضتنا ليست معارضة الصفوة الجالسة تصفي بعضها بعضا في جدال فكري ومذهبي وصولا إلى "الفرقة الناجية " بل هي معارضة تتوجه إلى الشعب حيث هو وتعالج مشاكله الواقعية على اساس برنامج سياسي يسترشد بالنظريات وتجارب الشعوب ولا يستنسخها. معارضة ترى رأي العين وتلمس باليد البؤس المعيشي للجماهير المصرية ولا تقرأ عنها في الكتب أو الصحف أو تشاهدها في التليفزيون.
معارضة لا تطرح قضايا كبرى على واقع سياسي وحزبي يقارب العدم ، وتحدد موقفها منه: اصعدوا إلينا في عليائنا وإلا فلن ننزل إلى وحل واقعكم! عندما يصبح لدينا أو لديكم تنظيم حزبي قوي يملك تأثيرا على قطاع هام من الجماهير سوف نملي شروطنا، أما الآن فماذا لدينا أو لديكم ؟ إن المهارة النظرية في رصد المشكلات وربطها بطبيعة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي أمر ، والقدرة على طرح برنامج سياسي قابل للتطبيق من أجل حل هذه المشكلات أمرٌ آخر . أفيقوا يرحمكم الله. مع كامل احترامي ومودتي
د.محمد طه عليوه
الخبير الدستوري والمحام بالنقض والادارية العليا، وعضو الهيئة العليا للحزب

اقرا ايضا