مقالات

مصر وديونها..

مصر وديونها..
ابراهيم نوار

أصبحت ديون الدول النامية واحدا من الموضوعات الملتهبة في تقارير مؤسسات التقييم الائتماني ومؤسسات التمويل الدولية الخاصة والمتعددة الأطراف. السبب في ذلك يعود إلى توقعات ارتفاع أسعار الفائدة على العملات الرئيسية لمحاصرة غول التضخم ومنعه من الانفلات خارج دائرة السيطرة. اذا ارتفعت أسعار الفائدة على الدولار فقد يؤدي ذلك إلى موجة نزوح من العملات المعرضة للخطر، وارباك سياسات البنوك المركزية للدول النامية المدينة، التي ستتعرض عملاتها لضغوط بسبب ارتفاع فوائد القروض، والحاجة إلى رفع أسعار الفائدة المحلية لحماية قيمة العملة، أو الأخذ بسياسة تخفيض تدريجي محكوم وداخل نطاق السيطرة.

ولذلك فإن نطاق الجدل في مصر حول ديونها الخارجية اتسع ليشمل الحكومة، ودوائر ومؤسسات غير حكومية، وفي أوساط الناس العاديين، الذين يقع عليهم في نهاية المطاف عبء تسديد الديون؛ فالحكومة تقترض وتصرف، والمواطن يدفع بشكل مباشر من خلال الضرائب ووسائل الجباية المختلفة. كما يدفع بشكل غير مباشر من خلال زيادة صعوبات الحياة اليومية من يوم إلى آخر.

غير أن الجدل على مستوى المواطنين والحكومة يقع ضحية استقطاب حاد بين الفزع الذي يصل إلى حد تصوير أعباء المديونية وكأنها السماء تسقط فوق رؤوس الناس عند فريق، أو أنها وسيلة النجاة من الكارثة والطريق الصحيح لتحقيق النمو عند فريق آخر. الحقيقة الموضوعية هي أن الديون في حد ذاتها ليست الكارثة الكبرى، إلا أنها، بمستواها الحالي، وإن كانت لم تصل إلى حد الكارثة، فإنها ليست الطريق السليم لتحقيق التنمية. هذا الحكم ينطلق من حقيقة وجود أربعة خطوط دفاع رئيسية تقلل حتى الآن من خطورة تداعيات مستوى المديونية، لكنها في الوقت نفسه تصدر إشارات حمراء وتذكرنا بدروس يجب أن نعيها جيدا.

مبررات لعدم الفزع
لا ينبغي أن نفزع، وليس من الحكمة التهويل من الخطر، فهذه حماقة طالما أنه مايزال أمامنا هامش للمناورة، وطالما أن لدينا أسلحة ما يزال بمقدورنا أن نستخدمها وخطوط دفاع يمكننا أن نتحصن وراءها.
وسوف أعرض هنا لأربعة خطوط دفاع رئيسية، إضافة إلى خط فسيح في الأفق يمنحنا الكثير من الأمل والثقة في المستقبل.

خط الدفاع الأول هو حقيقة أن مصر لم تتعثر في سداد ديونها، ولا سداد الفوائد المترتبة عليها، وأنها لم تطلب من الدائنين أو بعضهم إعادة جدولة الديون، كما حدث في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. خط الدفاع الأول ما يزال قائما وقويا، وهو ما يفسر استمرار قدرة مصر على الاقتراض.

خط الدفاع الثاني هو انخفاض نسبة الديون قصيرة الأجل إلى إجمالي الدين الخارجي. ورغم أن ذلك لا يجب أن يكون مبررا لزيادة الدين الطويل الأجل، فإن مجرد حقيقة أن نسبة الأعباء المالية العاجلة لسداد الدين الخارجي، هي أقل من نصف متوسط النسبة في الدول النامية المماثلة لمصر تقريبا يدعو إلى قدر من الاطمئنان بأن خط الدفاع الثاني ما يزال يعمل بفاعلية. وتبلغ نسبة الديون قصيرة الأجل حوالي 9% من الدين الخارجي في حين يبلغ المتوسط في منطقة الشرق الأوسط 16% وعلى مستوى الدول النامية ذات الدخل المنخفض والمتوسط في العالم ككل حوالي 25% .

خط الدفاع الثالث والأهم هو استمرار ارتفاع تحويلات المصريين العاملين في الخارج. ومن الظواهر المدهشة أن معدل نمو التحويلات في العام الماضي كان يعادل تقريبا معدل الزيادة في الدين الخارجي، وأكثر من ثلاثة أمثال معدل نمو الناتج المحلي. وعلى الرغم من تكرار توقعات تراجع التحويلات، حتى لدى خبراء البنك الدولي، فإن معدل نمو التحويلات تحدى تلك التوقعات، وارتفع بنسبة هي الأكبر في العالم. ويجب أن نشير هنا إلى أن مصر وحدها استحوذت في العام الماضي على أكثر من نصف قيمة تحويلات العاملين في منطقة الشرق الأوسط ككل. وأن مصر هي خامس أكبر دولة متلقية لتحويلات العاملين على مستوى العالم بعد الهند والصين والمكسيك والفلبين.

خط الدفاع الرابع الذي يحمي مصر من أن تتحول ديونها إلى كارثة هو قطاع الخدمات القوي جدا، وعلى رأسه السياحة وقناة السويس، والذي ينضم اليه على استحياء في الوقت الحاضر قطاع الخدمات المالية والتجارة الاليكترونية من خلال الدور الذي يمكن أن تقوم به شركات الخدمات المالية الناشئة المصرية مثل "فوري" في بعض الأسواق المجاورة، والدور المحتمل لفرع شركة "أمازون" العالمية في مصر على الصعيد الأفريقي. وعلى الرغم من أن خط الدفاع الرابع أصيب إصابات بالغة خلال أزمة كورونا، ولا يعمل بفاعلية في الوقت الحاضر، إلا أنه لا يمكن شطبه نهائيا، لأنه حقيقة اقتصادية قائمة، تنتظر استئناف التشغيل بقوة في الأجل القصير، متى ما تحسنت ظروف مواجهة الجائحة في مصر والعالم. خط الدفاع الرابع الممتد عالميا في قطاع الخدمات والنقل وطرق الإمدادات واللوجيستيات، هو أكبر كثيرا من مجرد السياحة وقناة السويس، وهو ما يزال تحت مستوى الحد الأدنى من التشغيل. ومع ذلك فإن إعادة تشغيل بنيته الأساسية القائمة فعلا بكفاءة في الأجل القصير، بافتراض انحسار جائحة كورونا، يمكن أن يضيف فورا إلى موارد مصر بالعملة الأجنبية ما يقرب من 15 مليار دولار على الاقل، قابلة للزيادة سنويا بلا سقف ولا حدود قصوى.

خط الأفق الواعد
لدينا أربعة خطوط دفاع حقيقية، يجب أن نأخذها في الاعتبار حتى لا نصاب بالفزع، لكن يجب أيضا ألا نستنزف قوتها في خدمة أعباء الديون، حتى لا نصيب التنمية في مقتل، ونصيب الاقتصاد بالشلل. وإضافة إلى تلك الخطوط فإن لدينا خطا فسيحا في الأفق يفصل بين الخوف والأمل في تحقيق التنمية. ففي الأفق ترى مصر دورها واعدا في المنطقة المحيطة بها دفاعيا واقتصاديا، عندما تهدأ زوابع وغبار التوتر الحالية. عندما يستقر الحال في ليبيا والسودان وسورية، سيكون لمصر دور كبير في الإعمار والتنمية الاقليمية. وها نحن نرى الشركات المصرية تضطلع بدور رئيسي في تعمير وإعادة بناء غزة. واذا أحسنت مصر إدارة علاقاتها الإقليمية فإنها ستكون بمهاراتها البشرية وخبراتها في طليعة رواد التنمية الاقليمية المشتركة، تفيد وتستفيد. كما أنها يمكن أن تصبح عسكريا حجر الزاوية في نظام للدفاع الإقليمي يضمن السلام والاستقرار واستمرار التنمية بفضل تحديث البنية العسكرية والتسليحية التي شهدت طفرة كبيرة في السنوات الأخيرة، بعد ركود استمر لأكثر من ثلاثين عام. المطلوب هو أن نعمل في الاتجاه الصحيح، وأن نحرر مواردنا من أسر الديون، فالديون قيود على الإرادة الوطنية.

إشارات حمراء لا ينبغي تجاهلها
طبقا لجداول البنك الدولي عن الديون الخارجية في الدول النامية ذات الدخل المنخفض والمتوسط، فإن الدين الخارجي لمصر ارتفع من 36.7 مليار دولار عام 2010 إلى 131.5 مليار في نهاية عام 2020 أي زاد بمقدار ثلاث مرات ونصف خلال عشر سنوات. هذا يعني أن معدل نمو الدين الخارجي بلغ 25.7% في المتوسط سنويا خلال السنوات العشر الاخيرة، وهو ما يتجاوز أضعاف سرعة معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي حقق نموا سنويا يقل عن 3% في المتوسط خلال الفترة المذكورة.

كذلك فإن قيمة الدين الخارجي للصادرات ارتفعت من 74% إلى 324%، أي زادت النسبة بأكثر من 4 مرات، كما ارتفعت نسبة الدين الخارجي إلى 37% من إجمالي الناتج المحلي مقابل 17% ، أي أكثر من الضعف. وارتفعت نسبة خدمة الدين من حصيلة الصادرات إلى 29% مقابل 6% أي اقتربت من زيادة مقدارها 5 مرات. ومن الضروري أن أشير هنا إلى أن خدمة الدين الخارجي (سداد أصل الدين+ الفوائد) كانت تبتلع ما يقرب من 7.79% من قيمة الدين الكلي سنويا، لكنها الآن، وعلى الرغم من سياسة إطالة عمر الدين الخارجي ارتفعت إلى 8.46%. وقد ذكرنا في رسائل سابقة أن فلسفة إطالة عمر الدين تنطوي على تحميل الأجيال المقبلة بسداد أعباء لم تشترك في صنع القرارات بشأنها، وهي فلسفة غير أخلاقية إلى جانب حماقتها الاقتصادية.

هناك إشارات حمراء حقيقية تستلزم الإنتباه. ويجب أن نتذكر أن كارثة قرارات نوفمبر 2016 وتخفيض الجنيه بنسبة 50% مرة واحدة ومضاعفة أسعار الفائدة، كانت بسبب إنكار صناع السياسة الاقتصادية لحقيقة أن هناك أزمة كانت تغلي بالفعل، لكنهم استمروا في تجاهلها لسنوات طويلة، بل أن وزير المالية الأخير في حكم مبارك كان يتفاخر بالقول أن العالم كله يعاني من أزمة منذ عام 2008 بينما مصر لم تمسسها الأزمة. إن تجاهل الإشارات الحمراء قد يؤدي إلى حوادث مميته، فلنبادر بالتصحيح قبل أن نتعثر، فما يزال أمامنا هامش للمناورة والإصلاح.

د.ابراهيم نوار
باحث متخصص في العلاقات الاقتصادية والنزاعات الدولية

اقرا ايضا